أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

432

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الخاص لذلك المقصود أنّ الذي يفتيهم هو المتلو في الكتاب ، وذكرت الجلالة للمعنى المشار إليه ، وقد تقدّم تحقيق التجريد في أول البقرة عند قوله : يُخادِعُونَ اللَّهَ « 1 » . والجر من وجهين : أحدهما : أن تكون الواو للقسم ، وأقسم اللّه بالمتلوّ في شأن النساء تعظيما له كأنه قيل : وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب ، ذكره الزمخشري . والثاني : أنه عطف على الضمير المجرور ب « في » أي : يفتيكم فيهنّ وفيما يتلى ، وهذا منقول عن محمد بن أبي موسى قال : « أفتاهم اللّه فيما سألوا عنه وفيما لم يسألوا » ، إلا أنّ هذا ضعيف من حيث الصناعة ، لأنه عطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار وهو رأي الكوفيين ، وقد قدّمت ما في ذلك من مذاهب الناس ودلائلهم مستوفى عند قوله : وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ « 2 » فعليك بالالتفات إليه . قال الزمخشري : « ليس بسديد أن يعطف على المجرور في « فِيهِنَّ » لاختلاله من حيث اللفظ والمعنى » وهذا سبقه إليه أبو إسحاق قال : « وهذا بعيد بالنسبة إلى اللفظ وإلى المعنى : أمّا اللفظ فإنه يقتضي عطف المظهر على المضمر ، وأما المعنى فلأنه ليس المراد أنّ اللّه يفتيكم في شأن ما يتلى عليكم في الكتاب ، وذلك غير جائز كما لم يجز في قوله : تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ « 3 » يعني من غير إعادة الجار . وقد أجاب الشيخ « 4 » عما ردّ به الزمخشري والزجاج بأن التقدير : يفتيكم في متلوّهنّ وفيما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ، وحذف لدلالة قوله « وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ » وإضافة « متلوّ » إلى ضمير « هنّ » سائغة ، إذ الإضافة تكون بأدنى ملابسة لمّا كان متلوا فيهن صحّت الإضافة إليهن ، كقوله : مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ « 5 » لمّا كان المكر يقع فيهما صحّت إضافته إليهما ، ومثله قول الآخر : 1667 - إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة * سهيل أذاعت غزلها في الغرائب « 6 » وفي هذا الجواب نظر . والنصب بإضمار فعل أي : ويبيّن لكم ما يتلى ، لأنّ « يُفْتِيكُمْ » بمعنى يبيّن لكم . واختار الشيخ « 7 » وجه الجرّ على العطف على الضمير ، مختارا لمذهب الكوفيين وبأنّ الأوجه كلّها تؤدي إلى التأكيد ، وأمّا وجه العطف على الضمير فيجعله تأسيسا قال : « وإذا دار الأمر بينهما فالتأسيس أولى » ، وفي جعله هذا الوجه منفردا بالتأسيس دون بقية الأوجه نظر لا يخفى . قوله : فِي الْكِتابِ يجوز فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه متعلق ب « يُتْلى » .

--> ( 1 ) انظر الآية ( 9 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 217 ) . ( 3 ) سورة النساء ، الآية ( 1 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 361 ) . ( 5 ) سورة سبأ ، الآية ( 33 ) . ( 6 ) انظر البيت في المحتسب ( 2 / 228 ) ، المقرب ( 1 / 213 ) ، الخزانة ( 1 / 487 ) ، ابن يعيش ( 3 / 8 ) ، اللسان ( غرب ) . ( 7 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 360 ) .